أبي منصور الماتريدي
47
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ولو قال : « لله علىّ أن أصوم شهرا متتابعا » ، يلزمه أن يصوم متتابعا ، لا يخرج من نذره إلا به ؛ لأن التتابع ذكر للصوم ، فهو لا يسقط عنه أبدا . والثاني : ما قال عزّ وجل : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ، واليسر رخصة ، لم يجز أن يجعل فيه ما هو عسر وضيق : وهو التتابع . والله أعلم . ثم في قوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، دلالة أنه إذا صام من غيره لم يجز ؛ لأنه أضاف عزّ وجل الصوم إلى الشهر ، وأشار إليه بقوله عزّ وجل : فَلْيَصُمْهُ فلو جاز له أن يصوم من « 1 » غيره لكان فيه صرف إلى غير ما جعله الله ، وفي ذلك خوف اعتراض لأمره ، وإشراك في حكمه . ونسأل الله العصمة من الزيغ عن الحق . وأما قوله عزّ وجل : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . قالت المعتزلة : من صام في السفر أو في المرض فعل ما لم يرد الله ؛ لأن الله عزّ وجل أخبر أنه لم يرد العسر ، وإنما أراد اليسر ، فإذا صام في المرض أو في السفر أراد العسر ، والله تعالى أخبر أنه لم يرد ، فدل أنه فعل ما لم يرد الله . لكن الوجه عندنا : أن قوله : يُرِيدُ اللَّهُ ، معناه : أراد الله بكم اليسر لما رخص لكم الإفطار في السفر ؛ لأنهم أجمعوا على أن الصوم في السفر أفضل ، والإفطار رخصة ، ولا جائز أن يقال : لم يرد الله ما هو أفضل ، وأراد ما هو دونه على قولهم ، ولكن يقال : أراد لمن أفطر اليسر ، وأراد لمن ترك الإفطار العسر ، وإرادته نافذة ، فلا جائز أن ينفذ في وجه ولا ينفذ في وجه آخر . وقوله عزّ وجل : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ، أي : يريد أن ييسر عليكم بالإذن في الفطر ، لا أن يعسر عليكم بالنهى عنه . وقد يحتمل الفعل ، لكنه لم يذكر عن أحد أن الله تعالى أراد به اليسر فصام ؛ فثبت أن الإرادة موجبة ، مع ما لا يحتمل على قولهم أن يكون الصائم في السفر غير مراد ، وقد قضى به فرض الله ، وأطاع الله فيه . والمعتزلة يقولون بالإرادة في كل فعل الطاعة فضلا عن الفريضة . وقوله : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ . قيل « 2 » : يعنى تعظمون الله ، عَلى ما هَداكُمْ لأمر دينه . ويجوز أن يريد بالتعظيم الأمر بالشكر لما أنعم عليهم من أنواع النعم من التوحيد والإسلام وغيره .
--> ( 1 ) في ب : عن ( 2 ) قاله ابن جرير ( 2 / 163 ) ، والبغوي ( 1 / 153 ) .